مجمع البحوث الاسلامية

244

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

الجهاد ولم يذكر شيء عن الهدف : الْمُجاهِدِينَ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ . . . وأمّا في المرحلة الأخيرة فقد جاءت الآية باسم المجاهدين فقط ؛ حيث يدلّ ذلك بوضوح على الأسلوب البلاغيّ الرّفيع في الكلام القرآنيّ ، حيث يتعرّف السّامع شيئا فشيئا بواسطته على الموضوع ، وتخفّ قيوده وصفاته لديه ، وتصل درجة التّعرّف إلى مرحلة يفهم السّامع بها كلّ شيء من خلال إشارة واحدة . 2 - لقد ذكرت الآية في البداية تفوّق المجاهدين على القاعدين بعبارة مفردة ، وهي ( درجة ) بينما في الآية التّالية جاءت هذه العبارة بصيغة الجمع ( درجات ) وجليّ أن لا تناقض بين هاتين العبارتين ، لأنّ القصد من العبارة الأولى تبيان تفوّق المجاهدين على غيرهم ، ولكنّ العبارة الثّانية تشرح هذا التّفوّق حين تقترن بذكر عبارات ( المغفرة ) و ( الرّحمة ) ، وبعبارة أخرى فإنّ الفرق بين هاتين العبارتين ( درجة ) و ( درجات ) هو الفرق بين المجمل والمفصّل . كما يمكن الاستفادة من عبارة ( درجات ) على أنّها تعني أنّ المجاهدين ليسوا كلّهم في درجة أو مستوى واحد ، بل تختلف درجاتهم باختلاف درجة إخلاصهم وتفانيهم وتحمّلهم للمشاقّ ، وتختلف بذلك منزلتهم المعنويّة ، لأنّه من البديهيّ أنّ الّذين يجاهدون الأعداء في صفّ واحد ليسوا جميعا بمستوى جهاديّ واحد ، كما تختلف درجات الإخلاص لدى كلّ واحد منهم بالقياس إلى أمثالهم ، ولذلك فإنّ لكلّ واحد منهم ثوابا خاصّا به يتناسب مع عمله الجهاديّ ونيّته في هذا العمل . الأهمّيّة البالغة للجهاد : إنّ الجهاد قانون عامّ في عالم الخليقة ، فإنّ كلّ مخلوق سواء كان من النّباتات أو الحيوانات يسعى لإزالة ما يعترض طريقه من موانع بواسطة الجهاد ، لكي يستطيع كلّ واحد منهم بلوغ الكمال المطلوب في التّكوين . وعلى سبيل المثال : فجذر النّبات الّذي ينشط للحصول على الغذاء والطّاقة بصورة دائمة ، لو ترك نشاطه هذا وكفّ عن السّعي ، لاستحال عليه إدامة حياته ، ولذلك فإنّ هذا الجذر حين يعترض طريقه مانع في عمق الأرض يحاول تخطّيه بثقبه . والعجيب هنا أنّ الجذور الرّقيقة تعمل في مثل هذه الحالة كالمسمار الفولاذيّ في ثقب الموانع الّتي تعترضها ، فلو عجزت في هذا المجال لحرّفت طريقها واجتازت المانع عن طريق الالتفاف حوله . وفي داخل وجود الإنسان أيضا هناك صراح غريب من نوعه ، وهو دائم ما دام الإنسان حيّا ، وهو الصّراع الرّائد بين كريّات الدّم البيضاء والأجسام المعادية المهاجمة ، كيف لو أنّ هذا الصّراع توقّف لساعة واحدة وتخلّت الكريات البيض عن الدّفاع ، لتسلّطت الجرائيم والمكروبات المتنوّعة على كافّة أجهزة جسم الإنسان ولعرّضت حياته إلى الخطر . إنّ ما هو موجود في أوساط المجتمعات والقوميّات والشّعوب في العالم من كفاح من أجل البقاء ، هو عين ذلك الكفاح والجهاد الّذي لمسناه في النّبات وفي جسم الإنسان . وعلى هذا الأساس فإنّ كلّ من يواصل الجهاد والجذب ، تكون الحياة من نصيبه ، وهو منتصر دائما .